Skip links

تقرير: الإعلام والإرهاب بعد تفجيرات عمان

أحدثت التفجيرات الدموية التي وقعت في عمان في التاسع من الشهر انقلابا حادا في موقف الرأي العام المحلي من الإرهاب وتنظيم القاعدة، وما كان لهذا الانقلاب ان يحصل لولا اداء الاعلام المحلي الذي تعامل مع هذه التفجيرات بمهنية عالية واسقط رهان الإرهابيين على استغلال الاعلام كقاطرة لفكرهم وافعالهم وان كان شاب هذا الاداء بعض الزلات وغاب عن ذهن صانعيه النظرة الشاملة للارهاب والسؤال عن مسؤوليتهم عن ما أبكى عمان ليلة الاربعاء المشؤومة.
ما هو معروف على نطاق واسع، ان شعبية تنظيم “القاعدة” الارهابي كانت في الاردن قبل تاريخ 9/11 المشؤوم في تصاعد بخلاف دول عربية واسلامية اخرى، وفقا لاستطلاع رأي أجراه مركز “بيو ريسيرش” العام الحالي، ووفقا لاستطلاع رأي آخر أجراه مركز دراسات الجامعة العام الماضي على عينة “نخبوية” ضمت اعلاميين ورجال اعمال وطلبة في دول عربية فان ثلثي هذه العينة في الاردن وفلسطين كان ينظرون الى “القاعدة” بوصفها تنظيم “مقاوم مشروع”. والملاحظ ان هذا التعاطف انقلب غضبا ورفضا بعد وقوع التفجيرات الإرهابية، والثابت ان الأداء الاعلامي كان السبب الرئيس في هذا الانقلاب بعدما كانت التفجيرات نفسها السبب المباشر.
ينظر الارهابيون الى الاعلام بوصفه القاطرة التي تحمل افكارهم وافعالهم الى الجمهور العريض، وهم يدركون مدى خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الاعلام الحديثة ويتصرفون على هذا الاساس، ولكن رياح الاعلام الاردني جرت هذه المرة بما لا تشتهي سفن “القاعدة”.
منذ لحظة وقوع التفجيرات الارهابية تصرفت وسائل الاعلام المحلية، وخاصة الصحافة والاذاعات الخاصة، بسرعة وان كان التلفزيون المحلي تأخر لاكثر من ساعة ونصف قبل ان يبدأ ببث اخر التطورات ويصبح المصدر الرئيس للأخبار.
كان لأداء التلفزيون المحلي الكثير من الجوانب الايجابية فهو وبعد ان بدأ بتغطية الحدث اصبح المصدر الاخباري الأول للجمهور وكذلك لوسائل اعلام محلية وعربية ودولية ما أسهم أولا في تشكيل رأي عام محلي رافض لهذا الفكر الارهابي وثانيا أسهم في تقليص مساحة الأخطاء والتغطية “الموجهة” لبعض الفضائيات العربية تحديدا.
اعطى التلفزيون المحلي الجانب الانساني مساحة جيدة وكبيرة وهو أمر غاب عن الصحف بشكل شبه كلي تقريبا، وقد ركزت كثيرا على تفاصيل التفجيرات وعلى ردود الفعل عليه.
ولكن هذا لا يعفينا من تسجيل ملاحظات تستند أساسا على ما تحقق من ايجابيات واهم هذه الملاحظات ان التأخير في تغطية الحدث لمدة تزيد على الساعة اسهم في بلبلة الجمهور وفي تركه عرضة للإعلام الخارجي الذي سقط في زلات كبيرة هدفها إعطاء انطباعات للمتلقي وتوجيه فكره بما يبرر التفجيرات مثل التركيز على “قرب فندق الدايز إن” من السفارة الإسرائيلية” او الحديث عن إجلاء سياح إسرائيليين من فندق “الحياة عمان” قبل ساعة من وقوع التفجيرات او محاولة الإيحاء بأن استهداف الاردن جاء بسبب “العلاقات الاردنية الاسرائيلية وتوقيع معاهدة وادي عربة ودور الاردن في دعم الحكومة العراقية، او الايحاء بأن الفنادق المستهدفة تضم سياحا إسرائيليين ومسؤولين محليين ومحاولة تصوير تنظيم القاعدة بأنه حقق خرقا امنيا مهما والنفخ في قدراته، قبل ان يتنبه هذا الاعلام الى ان التفجيرات طالت الأبرياء وان الاهداف المقصودة هي فنادق عادية جدا وأهداف سهلة لأي كان وان المتفجرات ليست اكثر من عادية وان كانت أعدت بطريقة وحشية جدا.
وقد حاول بعض العاملين في التلفزيون تبرير التأخير بتوخي الدقة، وهذا عذر غير مبرر اطلاقا، فالحدث في عمان وليس في دولة اخرى كما ان أداء بعض وسائل الاعلام الاخرى مثل مركز الاردني للاعلام الذي فرض نفسه كمصدر رئيس للخبر من لحظة وقوعه، والاذاعات الخاصة مثل إذاعة عمان نت التي واكبت الحدث تظهر مدى حاجة التلفزيون لتطويع أدائه البطيء لمواكبة سرعة الوسائل الاخرى وسرعة تطورات الحدث نفسه.
غرق التلفزيون كثيرا في معرفة ردود الفعل وهو قد فعل ذلك بكفاءة عالية ولكن بثه المتواصل كاد يقتصر على هذا الجانب وربما كان من الافضل بث افلام وثائقية او برامج تتناول الارهاب والتنظيمات الارهابية وتاريخها تهدف الى تنوير المشاهد وتذهب في التحليل والبث لناحية اكثر عمقا من الردود السريعة التي قد لا تترك انطباعات راسخة في ذهن المواطن.
طغى على أداء التلفزيون المحلي وكذلك اغلب الصحف، تغليب الموقف الحكومي والدفاع عن موقفها وإجراءاتها ولم نسمع أي مساءلة حقيقية عن مسؤولية الحكومة وتقصيرها، وهو امر يسجل لصحيفة “الأنباط” فهي الوحيدة التي طرحت عدة تساؤلات حول التقصير الأمني والحكومي وتراخي الإجراءات الأمنية، وكذلك الكاتب سميح المعايطة في مقاله بصحيفة “الغد” (10/11) إذ يرى المعايطة “وفي زحمة الأسى على الضحايا، لا بد من إشارة سريعة إلى أن وقوع مثل هذه الأحداث الإرهابية المؤسفة، وإدانتها من قبلنا جميعا، يجب أن لا يبعدنا عن تقييم أدائنا كدولة في حماية أمننا”.
لا يمكن المرور على هذه الملاحظة الأخيرة مرور الكرام، فهذا امر يتعلق في صلب كيفية معالجة وسائل الإعلام لظاهرة الارهاب، وقدرتها على ان تبقى على مسافة كبيرة بين ان تكون قاطرة للإرهاب او تكون بوقا للحكومة، وهكذا تحول قد ينذر بعواقب خطيرة ربما سيكون الاعلام اول ضحاياه، فبدون وجود مساحة كافية بين الاعلام والحكومة وبدون التمييز بين محاربة الارهاب كقضية وطنية والاصطفاف خلف كل ما يصدر عن الحكومة قد تجد وسائل الاعلام نفسها عرضة لإجراءات حكومية “تضييقية” تحت حجة مكافحة الارهاب تكون وسائل الاعلام نفسها قد أسهمت في الترويج لها وهيأت الرأي العام لتقبلها.
ومها يكن من أمر، فإن النقاش في قضية الإعلام والإرهاب، على الرغم من خطورته بقي مغيبا في الاردن حتى اكتوت عمان بنار التفجيرات الدموية، وفي غمرة الحدث هذا وفي ضوء التجزيئية والراهنية التي هي سمة العمل الاعلامي في العصر الحالي، يجب ان يحضر هذا النقاش بعمق على صفحات الصحف وفي مساحات البث وورشات العمل، خاصة وان الإعلام المحلي يواجه مآزق شديدة في تغطيته للإرهاب بدءا من استخدام المفاهيم مرورا في التمييز بين “الإرهاب” و”المقاومة” إلى دور الإعلام في محاربة ثقافة العنف والموت الى مدى تأثير تفشي ظاهرة الإرهاب على حرية وسائل الاعلام وعلى أمن وحماية الإعلاميين الجسدية والنفسية اضافة الى عناوين كثيرة لم تطرح خلال هذه الأيام الأخيرة على بساط البحث في الاعلام المحلي.
من البسيط القول، ان تفجيرات عمان الدموية فرضت نفسها على أداء الصحف المحلية فالحدث اكبر كثيرا من ان لا يطغى على أي حدث آخر فهو احتل مساحات كبيرة في الاعلام الخارجي فكيف في وسائل الاعلام المحلية وكما سجلنا ملاحظات أولية على أداء التلفزيون يمكن هنا تسجيل ملاحظات أخرى على أداء الصحافة المحلية.
بدت التغطية الاعلامية للتفجيرات الدامية في كل الصحف المحلية اليومية وكأنها تنهل من منبع واحد وكان من الصعب العثور على ما هو مختلف في تغطية صحيفة عن اخرى سوى في المساحة المخصصة وشكل الإخراج واستخدام الصور، بمعنى آخر كانت التغطية متشابهة مضمونا استندت أساسا على تقارير وكالة الأنباء “بترا” واختلفت إخراجا.
ركزت الصحف كثيرا على ردود الفعل الشعبية والرسمية المحلية والعربية والدولية وتجاهلت القصص الانسانية التي خلفتها التفجيرات الدامية، والسؤال هنا هل تحتاج الصحف الى المزيد من الانسنة او مرة اخرى التركيز على الانسان وحقه في الحياة قبل الخوف على الاستقرار الاقتصادي وعلى تأثر قطاع السياحة وعلى مسيرات الغضب والشعارات.
امتاز أداء الصحف سواء في التغطية او في التعليقات، بالسرعة وتخصيص مساحات كبيرة لمواد لا تحمل الكثير من المضمون مثل ردود الفعل المستنكرة او المسيرات والتظاهرات وعلى أهمية هذا الامر، فإن ما غاب عن الصحف هو تناول الارهاب بطريقة اكثر عمقا وشمولية. وتقديم مواد تحليلية ووثائقية توفر للقارئ معلومات وافية تمكنه من تكوين رأيه الخاص بشمولية أكثر.
لم تكن تغطية الصحف الخبرية تختلف كثيرا عن تغطية التلفزيون والإذاعات بل ان بعض الصحف مثل “العرب اليوم” و”الأنباط” كانت اقل من الناحية الكمية، هذا عدا عن التشابه في المضمون لناحية التركيز على ردود الفعل اساسا.
فيما كتب من تعليقات على الحدث الكبير، وهي كثيرة جدا، غاب عنها جميعها السؤال عن دور الإعلام، خاصة وان الحكومة بدأت بالترويج لمحاربة ثقافة العنف وهو امر مقصود فيه الاعلام الى جانب وسائل اخرى.
أثبتت التعليقات التي كتبت عن الحدث ان الاعلام المحلي يعيش مأزقا كبيرا في التعامل مع ظاهرة الارهاب، فهو في الوقت الذي هب لإدانة هذا الحدث وتصرف كوسيلة لاقناع الرأي العام وتحشيده ضد التفجيرات ومرتكبيها بدا كما لو كان يتعامل بـ”ازدواجية” مع هذه الظاهرة، الامر الذي دفع الكثير من المراقبين الإعلاميين والكتاب في الخارج الى نقد هذه الرؤية. الكاتب امجد ناصر في صحيفة “القدس العربي” (10/11) كتب موجها اسئلة لبعض الاردنيين بمناسبة الدم الذي سال في عمان. “مرة اخرى، اعود الى بعض الذين اختطفهم سكين الجنون والعنف والدم السادر في بلاد الآخرين. ماذا يقول هؤلاء الآن؟ كيف يبررون الموت الذي روع عاصمتهم ومطارح ألفتهم؟”.
على أي حال فان مقاربة ظاهرة الإرهاب وعلاقته بالاعلام اصبحت ملحة جدا وتحتاج الى نقاش في العمق لاخراج الاعلام من مآزقه الكثيرة وليس أولها اعتبار ضحايا تفجيرات الزرقاوي في عمان “شهداء” وضحايا تفجيراته في المغرب والعراق والسعودية ومصر وقطر والكويت وغيرها “قتلى”.